محمد منيعم يكتب :من الوقود الاحفوري الى الهيدروجين الاخضر صراع النفوذ في عالم ما بعد الطاقة التقليدية
كتب ✍️ محمد علاء منيعم
الهيدروجين الاخضر لم يعد مجرد مشروع طاقة بل اصبح عنوانا لمرحلة جديدة من الصراع الدولي حيث تتحول خرائط النفوذ من ابار النفط التقليدية الى مراكز انتاج الطاقة النظيفة وممرات تصديرها والعالم اليوم لا يعيد فقط ترتيب اقتصاده بل يعيد صياغة توازناته السياسية وفقا لمن يمتلك القدرة على السيطرة على طاقة المستقبل
فبحسب تقديرات السوق العالمية من المتوقع ان يتجاوز حجم سوق الهيدروجين عالميا 59 مليار دولار بحلول عام 2030 بينما تشير تقديرات اخرى الى ان سوق الهيدروجين الاخضر وحده قد يتجاوز 60 مليار دولار خلال السنوات القادمة مع معدلات نمو سنوية ضخمة تتجاوز 38 بالمئة
ومن هنا يمكن قراءة التحرك المصري في هذا الملف ليس باعتباره توجها اقتصاديا محدودا وانما باعتباره جزءا من رؤية الدولة المصرية في عهد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي حفظه الله لاعادة بناء مكانة مصر الاقليمية والدولية في عالم يتغير بسرعة شديدة
فبعد سنوات من الاضطراب الدولي بداية من جائحة كورونا وصولا الى الحرب الروسية الاوكرانية اكتشفت القوى الكبرى ان امن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط بل مسألة سيادة ونفوذ واستقرار سياسي اوروبا التي كانت تعتمد على الغاز الروسي بدأت تبحث عن بدائل امنة ومستقرة والولايات المتحدة والصين دخلتا سباقا مفتوحا للسيطرة على تقنيات الاقتصاد الاخضر بينما تحولت منطقة الشرق الاوسط الى ساحة تنافس جديدة عنوانها من يقود مرحلة ما بعد النفط
ولم يعد الامر مجرد توقعات سياسية فالاتحاد الاوروبي وافق مؤخرا على حزمة دعم تتجاوز 1.5 مليار دولار لمشروعات الهيدروجين الاخضر في المانيا في محاولة لتقليل الاعتماد على الوقود الروسي وتعزيز امن الطاقة الاوروبي
كما ان الصين التي تسيطر بالفعل على جزء كبير من سلاسل التوريد العالمية للهيدروجين الاخضر انتجت اكثر من 220 الف طن من الهيدروجين الاخضر وهو ما يمثل اكثر من 50 بالمئة من القدرة العالمية الحالية بحسب تقارير دولية حديثة
وسط هذا المشهد تحركت مصر بعقل الدولة لا بعقل رد الفعل فالجمهورية الجديدة ادركت مبكرا ان العالم لن ينتظر المتأخرين وان الدول التي لا تحجز لنفسها موقعا داخل منظومة الطاقة الجديدة ستجد نفسها خارج خرائط التأثير خلال العقود القادمة
ولهذا لم يكن تطوير البنية التحتية وتحديث شبكة الكهرباء والتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح مجرد مشروعات خدمية بل تأسيسا لقوة استراتيجية جديدة فالدولة التي تمتلك موقعا يتحكم في اهم ممر ملاحي عالمي مثل قناة السويس وتملك استقرارا سياسيا وموقعا جغرافيا يربط اسيا بافريقيا واوروبا تدرك جيدا ان معركة المستقبل ستكون على عقد الطاقة وسلاسل الامداد وموانئ التصدير
ومن هنا جاء الرهان على تحويل الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الى مركز عالمي للصناعات الخضراء والهيدروجين النظيف في خطوة تحمل ابعادا اكبر بكثير من مجرد الاستثمار فمصر تسعى لان تصبح نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة الطاقة الدولية الجديدة وان تتحول من دولة عبور للطاقة الى دولة مؤثرة في انتاجها واعادة توزيعها
وتشير تقديرات رسمية الى ان الاستثمارات المستهدفة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في قطاع الهيدروجين الاخضر قد تتجاوز 90 مليار دولار عبر عشرات الاتفاقيات الموقعة مع تحالفات وشركات دولية كبرى
كما تستهدف الدولة المصرية مستقبلا انتاج ما يقارب 10 ملايين طن سنويا والمساهمة بنحو 8 بالمئة من سوق الهيدروجين العالمي خلال العقود القادمة وهو ما يعكس حجم الرهان المصري على هذا القطاع الاستراتيجي
الامر لا يتعلق فقط بتصدير الوقود الاخضر بل باعادة صياغة الدور المصري اقليميا فشرق المتوسط يشهد اعادة تشكيل لموازين القوى والبحر الاحمر اصبح ساحة تنافس دولي مفتوح وافريقيا تتحول الى هدف استراتيجي للقوى الكبرى الباحثة عن الموارد والاسواق وفي قلب هذه التحولات تحاول القاهرة بناء معادلة مختلفة تقوم على ان النفوذ الحقيقي لا يبنى بالشعارات وانما بالاقتصاد والطاقة والقدرة على فرض الحضور في الملفات الدولية الكبرى
ولذلك كان ظهور مصر القوي خلال مؤتمر الامم المتحدة لتغير المناخ COP27 رسالة سياسية بقدر ما كان حدثا بيئيا فالقاهرة ارادت ان تقول للعالم انها ليست مجرد دولة تواجه التحديات بل دولة تسعى للمشاركة في تشكيل النظام العالمي الجديد
ورغم الطموحات الضخمة فان العالم لا يزال يواجه تحديات كبيرة في هذا الملف حيث خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لانتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات بحلول 2030 بنسبة تقارب 25 بالمئة بسبب ارتفاع التكلفة وتعطل بعض المشروعات عالميا
لكن ما يحدث حاليا يؤكد ان الصراع الحقيقي في العقود القادمة لن يكون فقط على النفط والغاز بل على التكنولوجيا الخضراء وسلاسل الطاقة النظيفة والمعادن النادرة والممرات البحرية القادرة على تأمين حركة الوقود الجديد
وفي الحقيقة فان اخطر ما تفعله الجمهورية الجديدة في ملف الطاقة النظيفة ليس انتاج الهيدروجين الاخضر فقط بل بناء استقلال استراتيجي طويل المدى لان الدول التي تمتلك الطاقة وتمتلك طرق نقلها وتمتلك القدرة على تأمين الاسواق ستكون صاحبة الصوت الاعلى في السياسة الدولية
العالم يدخل عصرا جديدا تقاس فيه قوة الدول بقدرتها على التحكم في التكنولوجيا والطاقة والممرات الاقتصادية ومصر تدرك ان البقاء خارج هذا التحول يعني الخروج التدريجي من دوائر التأثير الكبرى
ولهذا فان معركة الهيدروجين الاخضر بالنسبة للدولة المصرية ليست معركة اقتصاد فقط بل معركة مكانة ونفوذ ومستقبل دولة تعرف جيدا ان الامم لا تحجز مواقعها في التاريخ بالانتظار وانما بالاستعداد المبكر للحظة القادمة



