جهاد التابعي تكتب: الباشا البواب

يجلس في هدوء شديد واسترخاء على كرسيه في الهواء الطلق، فوق الأرضية الرخام في أحد عمارات مصر الجديدة، وابنته الصغيرة الشقراء ولا أعرف لماذا أغلبهن شقراوات، تحاول أن تقول شيئا فيشير لها بيده في عنجهية “مش وقته”، ويبدو أن هذا الذي تم تجاهله ما هو إلا احتياج لساكن مسكين اضطر أن يلجأ لعرض طلبه علي الباشا، أملا في أن يرق قلبه، لكنه وبإشارة واحدة من يده خيب آمال المسكين، وأجلها إلى أن يشاء الله.
“باشاااااا والله” تعليق هتف به عقلي الباطن بصوت سوقي دون أن أدري وكأنه يغبطه، ويخرج لي ولسنوات تعليمي الطويلة لسانه في حالة شماتة عجيبة.
لكنه منذ سنوات كان “بيه” فقط، مجرد “بيه” في فيلم أحمد ذكي كانت له سلطات كبيره لكنها محدودة، السيطرة على العمارة، وتعطيل الأسانسير، وإيجار الشقق، لكنه كان يمارس سلطاته على الساكن الفقير فقط، الموظف الذي جسد دوره فؤاد المهندس، لكنه الآن أصبح يسيطر على الجميع، ” باشا” تشمل سلطاته
“الضبطية السكانية ” لك ولأفراد أسرتك، فهو لا يتردد في سؤالك في أي وقت “رايح فين كده”؟ أو ” ايه اللي شاريه في ايدك ده”؟
يستطيع تعطيل الاسانسير وقطع النور عن السلم وعنك شخصيا إن أراد
يستطيع غلق الموتور ليجعلك تتفاعل أكثر مع محمود المليجي في فيلم الأرض
يفلتر ضيوفك حسب مزاجه وذوقه الشخصي
يشل حركتك إذا كان لديك سيارة، فمن وسائل تسليته المفضلة مشاهدة عجلاتها وهي تتساوي بالأسفلت في هدوء
هو المسئول الأول عن سمعتك، فهو يستطيع وبدون أي مجهود في اجتماعاته اليومية بزملائه في العمارات المجاورة أن يحكي عنك أساطير في الفسق والعربدة، وبيده أن يقضي على مستقبل ابنتك بكلمة واحدة أو حتى بذم شفتيه عندما تسأله أم العريس الفضولية عن أخلاقها.
مسئول عن دخلك الشهري إذا كنت طبيبا أو محاميا أو لديك شركة، فبإشارة واحدة من يده ” يطير الزبون”.
لا تقتصر سلطاته ومكاسبه على هذا فقط، فهو يتحكم في أسعار الشقق بشكل غير مباشر، وإذا كنت مالك لأحدي الشقق المعروضة للإيجار فهو دائما له نصيب الأسد، شهر عمولة من كل مستأجر ومنك عن كل مرة يتم استئجارها، وهو لا يكذب خبر في ” تطفيش الزبون” ليحصل على عموله جديده من ضحية جديده.
ففي عمارات الزمالك مثلا تبدأ هذه العمولة من 5 إلى 25 ألف وأنت طالع. آه والله!
إذا كنت تطمع أن تصبح باشا أنت أيضا، فيؤسفني أن أخيب آمالك، لأنك لن تجد عمارة تستعين بخدماتك، فلن يترك لك أحد مكانه ويستقيل أو يتقاعد، وإن فعل بعد بناء عمارات وشراء فدادين في بلدته، فلن يذهب المنصب لشخص غريب، بل لأحد أقاربه أو أولاده، وستظل أنت محلك سر، مجرد ساكن!



