“سرطان علي المائدة”.. إعادة تدوير مخلفات طبية لتصنيع الأطباق والملاعق

عندما تشتري السيدة أم فاطمة الأطباق والملاعق البلاستيكية لأطفالها فإنها تكون سعيدة بسبب رخص ثمنها، لكن تلك السيدة النحيفة، صاحبة البشرة الداكنة، التي تقوم بتنظيف البيوت لتنفق علي أولادها، لا تعلم أن هذه المنتجات مصنوعة من المخلفات الطبية، ولذلك فهي سعيدة باستخدامها لكونها رخيصة الثمن، وسهل الحصول عليها وبألوان مختلفة.
حين تشتري أم رضا الكشري لها ولأطفالها وزوجها، تحتفظ بالملاعق والعلب لإعادة استخدامها مرة أخري في تخزين الطعام والمخللات، وهي لا تعي أثر ذلك علي حياة أطفالها، لا تعلم أن هذه المنتجات مصنوعة من المخلفات الطبية.
تقول فاطمة ممرضة بحلوان، إنها تجمع السرنجات وتضعها في “جركن”، وتلقيها بسلة المهملات، حتى لا تصيب جامع القمامة، معتقدة أن لديه معرفة كافية في التعامل مع المخلفات الطبية، والتخلص الأمن منها، “هو عارف كويس بيعمل فيها إيه، أهم حاجة أنه ميتجرحش منها وهو بيجمع الزبالة علشان ميتصابش بمرض خبيث”.
أين تذهب المخلفات بعد جمعها؟ يجيب نور عامل بمصنع البلاستيك، في منطقة العكرشة بأبو زعبل، إن المصانع تستقبل المخلفات بكافة صورها، وتفصل المواد البلاستيكية عن الورقية، في حين تقوم بمزج مادة “البولي ايثيلين” علي البلاستيك لتعطي له رونق، وتعيد فرمة وتنتج منه الأطباق البلاستيك والملاعق والأكياس وغيرها من المواد.
في شهر أغسطس الماضي، القت الشرطة القبض علي صاحب مصنع لإنتاج المواد البلاستيكية بالمنوفية من نفايات المستشفيات، وعلى الرغم من هذا لم يتعظ أحد، ومازالت التجارة مستمرة ولا تستطيع الدولة السيطرة عليها، فلا تعلم المستشفي اتجاه السيارة المحملة بالنفايات الطبية فور خروجها من باب المستشفي، وهذا ليس من صلاحيتها، وفقًا لما قاله مصدر مسئول عن النفايات الخطرة بوزارة البيئة.
تتنوع النفايات الطبية التي تخرج من المستشفيات والعيادات الخاصة، بين نفايات ملوثة بالدم ومشتقاته، وأعضاء بشرية، وبلاستيك، والإبر والمباضع والشفرات والمشارط، بالإضافة إلي النفايات السامة وهي تلك الأدوية المستخدمة في علاج السرطان، وبعض المعادن، كما يشرح الدكتور محمود عمر، مؤسس وحدة السموم بقصر العيني، الذي يكمل: حين تُحرق المخلفات الطبية، ينتج عنها مادة الديوكسين والفيوران ، وهي من مسببات السرطان، لذا يجب أن تحرق البلاستيكيات من المخلفات الطبية بنسب معينة داخل محرقة أمنة وفي درجة حرارة متفق عليها، وهو ما لا يحدث في مصر.
وأشار إلى أن مصر لديها محرقتان كبيرتان ومعروفتان، وعادة ما تتجه إليها النفايات الطبية للحرق، أولهما محرقة قصر العيني التي بحاجة ماسة إلي صيانة، وبالتالي من الخطر أن يتم الحرق بها، والأخرى محرقة الدمرداش التي تستقبل أطنانًا أعلي مما هو متفق عليه، ويخرج منها كم كبير من الملوثات، وجدير بالذكر أنها قريبة من جامعة عين شمس، وهذا يؤثر سلبًا علي حياة الطلاب والأهالي.
وحين يأتي الحديث عن الاتفاقيات الدولية المعنية بالنفايات الخطرة “اتفاقية بازل”، نسأل نقطة اتصال الاتفاقية، الدكتور محمد الزرقا، الخبير البيئي، الذي يقول إن الاتفاقية غير معنية بالتفتيش داخل الدولة ومتابعة مدي التزامهم بتطبيقها، فهي تضع القوانين التي تلتزم الدول بضرورة تطبيقها مادامت قد وقعت بالموافقة علي الاتفاقية، ويضيف الزرقا أن المعونات التي تحصل عليها مصر من أجل الحفاظ علي البيئة والتخلص الأمن من النفايات خاصة الخطرة منها، لا تصرف علي ما هي قادمة من أجله، ولا أحد يعلم مصيرها، قائلًا: ” لقد سبق وقدمت استقالتي من وزارة البيئة لوجود ممارسات خاطئة لم أكن راضيًا عنها”.
وزارة البيئة هي الجهة المنوط بها التفتيش علي المستشفيات ومتابعة مدي التزامها في التعامل مع المخلفات الطبية، كما لدي وزارة الصحة إدارة تُلزم المستشفيات بالتخلص الأمن من المخلفات، في الوقت الذي يتبع فيه مستشفي قصر العيني والدمرداش وزارة التعليم العالي، كل هذا التشابك من وجهة نظر الدكتور الزرقا، يجعل الحقوق تضيع، ولا يمكن التوصل إلي الجهة المنوط بها التعامل مع الأزمة بشكل واضح، مشيرًا إلي أن أول محرقة أنشأت في مصر، كانت محرقة قصر العيني، هدية من دولة الدنمارك، ولم تستطع مصر صيانتها، وبالتالي توقفت عن العمل، في حين أنها تابعة لجامعة القاهرة، وهي الجهة المنوط بها الحفاظ عليها وإعادة تشغيلها بشكل آمن.
مادة “الديوكسين” التي تُعد من مسببات السرطان، هي نتاج طبيعي للصناعات المختلفة، لكن علي رأسهم محارق المستشفيات، التي تنتج الديوكسين، وتطلقها في الهواء، ويستنشقها المصريون، عبارة قالها الدكتور أشرف المرصفي، مدير المعمل المركزي لمتبقيات المبيدات بوزارة الزراعة، الذي أوضح أن المعمل قادر علي تحليل “الديوكسين” ودراسة معدل التلوث في الهواء، مشيرًا إلي أن المحارق الحكومية هي المحارق الوحيدة التي لا تخضع للرقابة، وبحاجة إلي وقفة جادة وأن تندرج تحت مظلة وزارة البيئة، للسيطرة علي معدل التلوث الناتج عنها.
المحارق لا تستمر في عملها دون ترخيص، حيث يسمح لها بالاستمرار بعد تحليل عينات الرماد الناتج عنها، فالدكتور المرصفي يقول إن المحارق الحكومية لم تحلل عيناتها حتى الآن بالمعمل المركزي، ولا يعلم لماذا تستمر في مهامها، علي الرغم من ارتفاع معدل التلوث الناتج عنها.
“طيب هنعمل إيه يعني، ما كل حاجة فيها أمراض، والغالي مقدرش أجيبه لعيالي” تجهم وجه أم فاطمة حين أخبرتها أن هذه المنتجات يمكن أن تكون خطرًا على صحة أبنائها لكنها عادت لتكمل دون اهتمام يذكر وهي تكاد تحتضن علبة كشري بلاستيك “سيبيها علي ربنا يا ستي”.


